
آهٍ من الذل .. ما أخسّه!
وآهٍ من النظرات !..
وأي نظرةٍ تحرق الفؤاد كنظرة شفقةٍ من ذليل ؟! ..
وأيّ خاطرةٍ يلتاع لها قطع الكبد ويتضرّم منها الفؤاد كخاطرةِ المسكـَـنة لهيّن ٍ فقيرٍ إلا من القلب الصدىء والمادة الأرضية الخربة ؟!!
يا رحمة ربي!.. بأي عينٍ ألقاها ؟! .. وبأي عقل أترجمها فتغشاني وأغشاها ؟! ..
كيف أحفظها في صفحات ذاكرتي .. نظرةً من معتديّ تقول لي :
- (أنا بعمل الي عليّ .. بس بقدرش أساعدك!!)
يـــــــــــــاه !..
أأقف أنا هنا لأسمع منك هذا ؟! ..
خسئت واللهِ .. خسئت !..
أأنتظر منك العطاء وما أنت المالك ؟! ..
أأقف بين يديك أسألك وما أنت المعطي ؟! ..
رباه !..
عليك باليهود !.. عاملهم بعدلك ! .. واشف صدور قومٍ مؤمنين ..
ولقد طال انتظاري ..
ساعات وساعاتٌ .. وساعات ..
والأوراق ما زالت تتابع .. والأدوار تلف على أصحابها .. والأوامر والنواهي والصيحات لمّا تقف ..
ولقد كان مع كل لحظةٍ تمرّ احتراق .. ومع كلّ احتراقٍ لهيبٌ ودخان .. ومع كلّ دخان نار .. ومع كلّ نار دعاء !..
ويا للدعاء !..
لولاه لخرجت الصرخات أصواتاً بعد أن كانت دفقاتٍ وانتفاضاتٍ تهزّ الذي بين الضلوع هزاّ .. فيضطرب ويتألم ويتأوّه .. وما من سامع له إلاه ..
لولا الدعاء لبثثت الكون كله تلك الآهات ! .. ولنثرت الدموع أنهاراً وبحاراً وشلالات !..
ثمّ أدخلوني ..
وأدخلوا معي أوراقاً -مثلي تماماً!- وأخرجوا أخرى ..
وسحبوا بصماتٍ وصور ! .. واتخذوا ما لم ينزل به ربي من سلطان ..
أحقاً كل هذا ليسمحوا لي بدخول القدس ؟! ..
ماذا فعلتُ أنا ؟! .. كم قتيلاً قتلتُ وكم رجلاً أصبت ؟! ..
يا سبحان الله !
أعطوني معاملتي جاهزة بعد ساعات عددها -واللهِ- تجاوز اثنتي عشرة!..
وقالوا لي : مبروك!..
آه ئمّ آه !..
وألفُ ألفِ آه !..
بل آهاتٌ عدد الرمل واستغاثاتٌ عدد حبات المطر !..
وما لي أن أقول إلا : الحمد لله !..
ثم رجعتُ الطريق بعد نهارٍ قاتمٍ شاحبٍ بالقهر والعذاب ..
فتأملتها .. وقد رأيتها صباحاً بضفائر الشمس .. وأراها عائدة بنور القمر ..
رأيت بعينيّ بيوتهم ومستعمراتهم(1)، قد أخذت زخرفها وازّيّنت، ثمّ رأيت بقلبي بيوتنا، قد أقفرت إلا من الفقر ..(2)
فبكى قلبي!
وما هذه أول مرة أرى فيها بيتوهم ولا بيوتنا .. لكنّ القلب لمّا يغلي بأتّونٍ من القهر ويتلوّى ذلاً : يرى الحقائق متوشحة بأثوابٍ منه، هو يخيطها .. فيحيطها بهالة متوهجة متضرمة من الإحساس النورانيّ .. تجعلها فوق مكانها : إذ تُرى فيها الحقيقة الكونيّة بصورتها السماوية لا تغشاها غاشية وليس لها من سترٍ ولا غطاء !
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |